تحديثات السياسات

من الهامش إلى التيار الرئيسي: الإشارات المؤسسية للدليل القانوني لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

عندما تبدأ التعاونيات والمؤسسات الاجتماعية والابتكار الاجتماعي في لعب دور البنية التحتية للخدمات العامة، يظل النظام القانوني مصممًا للشركات الربحية. أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في عام 2023 دليلًا للسياسات، مما يشير إلى أن "الاقتصاد الاجتماعي والتضامني" أصبح قضية رسمية في خارطة الحوكمة العالمية.

من الفجوة المؤسسية إلى توافق السياسات: لماذا يضع OECD دليلاً قانونياً للاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟

عندما تفكّر إحدى التعاونيات في برلين أو مونتريال في توسيع خدمات رعاية الأطفال، وعندما تحاول شبكة تجارة عادلة الحصول على تمويل لبناء مستودعات، وعندما تريد مؤسسة اجتماعية تركّز على توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة دخول سوق المشتريات الحكومية، فإنّ أول ما يتعين عليها مواجهته غالباً ليس نموذج العمل، بل سؤال أكثر جذرية: كيف يعرّفنا القانون؟

وهذه هي المعضلة التي يسعى دليل السياسات «Policy Guide on Legal Frameworks for the Social and Solidarity Economy» الصادر عن OECD عام 2023 إلى معالجتها. فمن ناحية المظهر، هو دليل تقني قانوني؛ ومن ناحية بنيوية، هو اعتراف متأخر من دوائر السياسات العالمية بـ«الاقتصاد الاجتماعي والتضامني» (Social and Solidarity Economy, SSE).

قطاع اقتصادي ظلّ طويلاً في موقع الاستثناء

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مفهوم يسهل تفريغه من مضمونه. فهو يشمل التعاونيات، وجمعيات التعاضد، والمنظمات غير الربحية، والمشاريع ذات الرسالة الاجتماعية. وهو يختلف عن العمل الخيري البحت، ويختلف أيضاً عن الشركات التقليدية التي تستهدف تعظيم أرباح المساهمين. أما السمة الجوهرية لهذه الكيانات فهي أنها تدرج خدمة المجتمع، والحوكمة الديمقراطية، والقيود على استخدام الأرباح في منطق عملها.

غير أن الأنظمة القانونية في عددٍ كبير من البلدان ما تزال تتعامل مع «اقتصاد الرسالة» في القرن الحادي والعشرين بمنطق قوانين الشركات الذي يعود إلى القرن التاسع عشر. والنتيجة أن المنظمات غير الربحية تواجه مناطق محظورة قانونياً عندما تسعى إلى التوسع في الحجم، وقد يؤدي توسيع رأس مال التعاونيات إلى إضعاف حوكمة الأعضاء، وتُجبَر المشاريع الاجتماعية على تطبيق قالب الشركات الخاصة للحفاظ على التوازن بين الكفاءة السوقية والأهداف الاجتماعية. وهكذا لم يعد القانون مجرد مسألة تسجيل، بل أصبح عتبةً مؤسسيةً تحدّد ما إذا كان بإمكان المنظمة الحصول على التمويل، أو التمتع بمعاملة ضريبية، أو المنافسة على تقديم خدمات عامة.

إن مدخل OECD لا يقوم على إعادة الجدل حول «ما هو العمل الخيري الجيد»، بل على اعتبار الأطر القانونية بنية تحتية حاسمة لترجمة الابتكار الاجتماعي إلى واقعٍ ملموس. ويجمع الدليل الإرشادي المسائل التي كانت مبعثرة سابقاً بين سياسات العمل، والرعاية الاجتماعية، والمالية العامة، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويوجّه البلدان إلى مراجعة أساليب التعريف، والأشكال التنظيمية، ومتطلبات الحوكمة، والقواعد المالية، والتنسيق التنظيمي.

دور الدولة: من مُتحكِّم إلى بانٍ للبيئة المؤسسية

لم يكن صدور هذه النسخة من الدليل الإرشادي في عام 2023 أمراً عابراً. فبعد الجائحة، أدركت حكومات عديدة أن المالية العامة لا يمكنها وحدها تحمّل جميع المخاطر الاجتماعية، وأن الاعتماد على نماذج الأعمال القائمة على المنصات أو على المنافسة السوقية البحتة لم يؤدِّ تلقائياً إلى نموٍّ شامل. وفي هذه المرحلة، عادت التعاونيات، وصناديق الأراضي المجتمعية، ومقدّمو الإسكان الاجتماعي، وتعاونيات الرعاية، وغيرها من الكيانات، إلى دائرة الاهتمام في صنع السياسات.لقد بدأت بعض البلدان بالفعل في خلق تجارب معيارية. ففي فرنسا، منح قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هذا المجال صلاحياتٍ في أدوات السياسة العامة المحلية؛ وفي كوريا، دفع قانون اعتماد المؤسسات الاجتماعية المؤسساتِ الاجتماعية إلى دخول سلسلة الخدمات العامة؛ وفي كيبيك الكندية، تُظهر شبكات التعاونيات ونظام رأس المال الصبور أن العرض المالي يمكن أن يتوافق مع مصالح الأعضاء. وتحاول إرشادات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) تنظيم هذه التجارب بشكل منهجي، بحيث لا يكون النظام القانوني في مواجهة الابتكار الاجتماعي، بل شريكًا له.

المعنى العميق لهذا التحول هو أن الدولة لم تعد مجرد "ملاذ أخير" لعلاج إخفاقات السوق، بل أصبحت مصمّمةً لـ"السوق الموجّهة بمهمة". فعندما تضع المشتريات العامة معايير اجتماعية للموردين، وعندما يوفّر قانون الشركات أشكالًا قانونية لـ"تقييد الأصول" و"حوكمة أصحاب المصلحة"، وعندما تبدأ أنظمة الإحصاء في قياس الأثر الاقتصادي للمنظمات الاجتماعية، عندها لا يعود ما يسمى بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني مجرد سلوك أخلاقي تلقائي من المجتمع الأهلي، بل نمطًا لتنظيم الإنتاج قابلًا للإدارة والتكرار والاستدامة.

مسألة أهم من الحصص: كيف نتجنب التآكل المؤسسي؟

يواجه تطوّر الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أيضًا خطر "تطويعه" من قبل المؤسسات. فإذا أفرط نظام الاعتماد في التركيز على مؤشرات الأداء الرئيسية (KPI)، فقد تعقد الشركات صفقات بقشرة خيرية دون أن تحقق حوكمة تشاركية حقيقية؛ وإذا اقتصرت التشريعات على إضافة "وسم اجتماعي" دون حل التناقضات الجوهرية بين المحاسبة والضرائب والتمويل، فقد يتحول النظام الجديد إلى مجرد شهادة ورقية.

لذلك، فإن كتابة الأطر القانونية أقرب إلى معالجة شيفرة الحمض النووي (DNA) للمنظمة. كيف نحدد "الغرض الاجتماعي"؟ وما هو قيد عدم توزيع الأرباح؟ وكيف نحافظ على التوازن بين حقوق الأعضاء ورأس المال الخارجي؟ ولمن تعود الأصول عند التصفية؟ وكيف تطبّق الحكومة المساءلة دون أن تخنق روح التجريب؟ هذه التفاصيل هي التي تقرر ما إذا كان الابتكار المؤسسي قادرًا على المضي قدمًا.

لا يمكن للإرشادات السياساتية لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) أن تقدم إجابة واحدة صالحة للعالم كله، لكن قيمتها تكمن في إطلاق إشارة مهمة: لم يعد النظام المؤسسي متغيرًا خارجيًا، بل يجب أن يصبح مكوّنًا داخليًا في استراتيجية الابتكار الاجتماعي. وبالنسبة لحكومات المدن، يعني ذلك أن الاعتراف بالتعاونيات والمؤسسات الاجتماعية لا ينبغي أن يقتصر على تكريم سنوي أو إعانة خاصة، بل يجب أن يتغلغل في أنظمة تقسيم المناطق، وعقود المشتريات العامة، والقواعد الضريبية، والسياسات العقارية.

من "تطوير اقتصاد بديل" إلى "إعادة هيكلة الاقتصاد الرئيسي"

في وقت يناقش فيه العالم مرونة سلاسل التوريد، وندرة الخدمات العامة، وأزمة تشغيل الشباب، يقدّم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مسارًا أقل التفاتًا إليه لكنه عملي وقابل للتحقيق. إنه لا يهدف إلى مزاحمة السوق أو الدولة، بل إلى إعادة إدخال الخيار الاجتماعي بينهما.

تعتبر الأمم المتحدة الاقتصادَ الاجتماعي والتضامني عاملاً دافعًا نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويتواصل الاتحاد الأوروبي في بلورة خطة عمل للمؤسسات الاجتماعية، في حين يستخدم عدد متزايد من دول الجنوب العالمي الشبكات التعاونية لمعالجة مشاكل البنية التحتية الزراعية وتمويل صغار المنتجين. ومع ظهور إرشادات منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ارتقى هذا المجال من "نموذج للابتكار الاجتماعي" إلى "تحدٍّ قانوني وحوكمي".في المرحلة المقبلة، لن يكون ما يستحق الملاحظة هو حجم التمويل الذي تحصل عليه عدد قليل من المؤسسات الاجتماعية اللامعة، بل صورة أكثر اعتيادية: هل تستطيع تعاونيات الرعاية التي تُنشأ داخل الأحياء أن تتلقى مبالغ صغيرة من الأموال العامة بشكل قانوني؟ هل تستطيع شركة تُلزم نفسها برسالتها أن تحصل على مكانة تمويلية مساوية للشركات العادية؟ هل تستطيع منصة أسّسها مجموعة من العمّال أن تصبح منافساً قانونياً للمنصّات الرقمية القائمة؟

إنّ النظام الناضج حقاً هو الذي يجعل من «فعل الصواب» أمراً لا يحتاج إلى بطولية استثنائية، بل يصبح الخيار الافتراضي في النشاط الاقتصادي اليومي.

المصدر المرجعي: OECD - Policy Guide on Legal Frameworks for the Social and Solidarity Economy

مسار الأدلة · global-city-wire

تضع global-city-wire هذه الملاحظة ضمن شبكة توزيع اخبار المدن باسلوب وكالات الانباء، تغطي السياسات والمشاريع والبنية التحتية والفعاليات.. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص).

Source links

  1. https://www.oecd.org/en/publications/2023/03/policy-guide-on-legal-frameworks-for-the-social-and-solidarity-economy_c0ffd018.htmlPrimary

مقالات ذات صلة

العودة للقناة