تحديثات السياسات

التجارب الرائدة لمجموعات الصناعات الابتكارية: المحرك الخفي للتحول الأخضر في المدن الصينية

تُظهر دراسة استندت إلى 281 مدينة صينية أن سياسة التجمعات الصناعية الابتكارية التجريبية تعزز بشكل كبير كفاءة الطاقة من خلال تشجيع الابتكار في التكنولوجيا الخضراء، مما يوفر أفكارًا جديدة للحوكمة الحضرية في إطار أهداف الكربون المزدوج.

من "القوة التصنيعية الكبرى" إلى "المبتكر الأخضر": تحولٌ صامت

عندما أعلنت الصين عن أهدافها بشأن "الكربون المزدوج"، واجهت واقعًا صعبًا: فباعتبارها أكبر دولة تصنيعية في العالم، لا تزال استهلاكاتها من الطاقة في مرحلة نمو جامد، في حين أن "الكثافة الخضراء" و"كثافة الابتكار" في مسار التصنيع التقليدي غير كافية نسبيًا. فكيف يمكن تحقيق إزالة عميقة للكربون مع الحفاظ على القدرة التنافسية الصناعية؟ هذا هو السؤال الذي يتعين على صانعي السياسات الإجابة عنه. في السنوات الأخيرة، بدأت أداة سياساتية متواضعة نسبيًا — وهي التجارب الرائدة لمجموعات الابتكار الصناعية — تدخل مجال رؤية الباحثين، وقد تصبح المفتاح لحل هذه المعضلة.

دراسة تجريبية أجراها باحثون من كلية الاقتصاد بجامعة لانتشو، استخدمت بيانات لوحية تغطي 281 مدينة على مستوى المحافظة في الصين من عام 2006 إلى عام 2021، وطبّقت طريقة الفروق المزدوجة (DID) لتقييم أثر سياسة التجارب الرائدة لمجموعات الابتكار الصناعية بشكل دقيق. ووجدت الدراسة أن هذه السياسة التجريبية رفعت بشكل ملحوظ مستوى الابتكار التكنولوجي الأخضر (GTI) في المدن، وأن هذا الاستنتاج ظل قائمًا بعد اجتيازه اختبارات متانة متعددة. والأهم من ذلك، أن أثر السياسة لم يكن مجرد "اختراق نقطي" بسيط، بل انتقل عبر آليات منهجية، مما أدى في النهاية إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المدن.

لماذا "مجموعات الصناعة"؟ — القيمة الفريدة للسياسة الوسيطة

لطالما وقعت النقاشات حول السياسات الصناعية في ثنائية "تدخل الدولة" مقابل "حرية السوق". لكن مجموعات الابتكار الصناعية تقدم منظورًا وسيطًا: فهي ليست مجرد إعانات أو حوافز ضريبية، ولا هي مناطق صناعية بالمعنى التقليدي، بل هي ترتيبات مؤسسية تعمل على الدمج المنهجي للموارد الابتكارية المحلية والمواهب ورأس المال والتقنيات. وتشير الدراسة إلى أن هذا النمط من التجمّعات يمكن أن يعزز انتشار التقنيات الخضراء والابتكار التعاوني، مما يبني على المستوى الإقليمي نظامًا بيئيًا يدعم التحول الأخضر.

تكمن قيمة هذه السياسة الوسيطة في أنها تسدّ أوجه القصور في أدوات السياسات المفردة. فعلى سبيل المثال، قد تخفف سياسات الائتمان الأخضر من قيود التمويل على الشركات، لكنها تواجه صعوبة في حل مشكلة "الميل الأخير" لانتشار التقنيات؛ كما يمكن للأنظمة البيئية أن تفرض الابتكار، لكنها قد تؤدي إلى "ابتكار تكتيكي" بدلًا من تحقيق اختراقات حقيقية في التقنيات الخضراء. أما مجموعات الابتكار الصناعية، فمن خلال التجمّع المكاني والتعاون الشبكي، فإنها توفر فضاءً لانتشار المعرفة ومشاركة الموارد، وهو بالضبط ما تحتاجه التكنولوجيا الخضراء من تربة خصبة.

تفكيك الآليات: ثلاثية ريادة الأعمال والمواهب ورأس المال

كشفت الدراسة أيضًا عن ثلاث قنوات رئيسية تنقل أثر السياسة: تعزيز حيوية ريادة الأعمال، وتجميع المواهب العلمية والتكنولوجية، وزيادة الاستثمار في التمويل التكنولوجي. وهذه ليست تأثيرات منعزلة، بل هي عملية ديناميكية يعزز بعضها بعضًا.

يُعد نشاط ريادة الأعمال الجسر الحيوي الذي تنقل عبره التقنيات الخضراء من المختبر إلى السوق. فمن خلال خفض تكاليف المعاملات المؤسسية وتوفير البنية التحتية المشتركة، تحفّز سياسة التجمّعات المزيد من رواد الأعمال على دخول مجال التقنيات الخضراء. وغالبًا ما تكون هذه الشركات الناشئة أكثر استعدادًا لتبني العمليات منخفضة الكربون ونماذج الاقتصاد الدائري، مما يرفع المستوى العام للابتكار نحو الاتجاه الأخضر.إن تركّز المواهب يشكّل الأساس الفكري للابتكار. وتُظهر الدراسات أن المدن التجريبية استقطبت تدفقًا أكبر من المواهب العلمية والتقنية، مما وفر ضمانًا لرأس المال البشري للبحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الخضراء. وفي الصناعات كثيفة المعرفة، كثيرًا ما تحدّد كثافة المواهب بشكل مباشر السقف الأعلى للقدرة الابتكارية لأي منطقة.

كما لا يمكن إغفال توجيه رأس المال. فقد أدى الدعم المالي والموارد التمويلية التي جاءت بها السياسات إلى زيادة الاستثمار في الأنشطة العلمية والتقنية، وتوفير «رأس مال صبور» لمشاريع الابتكار الأخضر الطويلة الأجل والعالية المخاطر. وخلافًا لرأس المال السوقي الذي يسعى إلى عوائد قصيرة الأجل، يتوافق هذا النوع من الاستثمار بشكل أكبر مع المسار الطويل الأجل للتكنولوجيا الخضراء من البحث والتطوير إلى التسويق التجاري.

الاختلافات الإقليمية والمؤسسية: تأثير السياسات ليس «مقاسًا واحدًا يناسب الجميع»

وكشف تحليل التغايرية في الدراسة عن ظاهرة مثيرة للاهتمام: فالأثر التحفيزي للسياسات على الابتكار في التكنولوجيا الخضراء كان أكثر وضوحًا في المدن الشرقية والغربية، بينما كان أقل وضوحًا نسبيًا في المناطق الوسطى. وقد يعود ذلك إلى اختلاف مراحل التنمية بين المناطق. فالمدن الشرقية تمتلك سلاسل صناعية ناضجة وبيئات ابتكار متطورة، مما يمكنها من استيعاب مكاسب السياسات بسرعة؛ بينما تتمتع المدن الغربية بما يُعرف بـ«ميزة اللاحقين» في التحول الأخضر، حيث يمكن أن يُحدث حقن الموارد الناتج عن السياسات تأثيرات هامشية واضحة نسبيًا. أما المدن الوسطى فقد تكون في فترة الآلام المصاحبة لاستقبال الصناعات والتحول، وقد تُبطل التناقضات الهيكلية تأثيرات السياسات.

وتلعب البيئة المؤسسية أيضًا دورًا معدِّلًا. فقد وجدت الدراسة أن تأثيرات السياسات تكون أكثر وضوحًا في المدن التي ترتفع فيها درجة الاهتمام البيئي وتكون فيها حماية الملكية الفكرية قوية. ويشير ذلك إلى أن مجمعات الابتكار الصناعية لا تعمل في فراغ؛ فالإشراف الفعّال وحماية حقوق الملكية يشكلان «القاعدة المؤسسية» للابتكار الأخضر. وبدون حماية كافية لنتائج الابتكار، قد تفتقر الشركات إلى الحافز للقيام بأبحاث وتطوير جوهرية في مجال التكنولوجيا الخضراء، وقد تنصرف بدلًا من ذلك إلى «ابتكار استراتيجي» منخفض الجودة.

تحسين كفاءة الطاقة: الابتكار الأخضر كوسيط رئيسي

من أبرز النتائج اللافتة في المقال أن سياسات مجمعات الابتكار الصناعية لا تعزز الابتكار في التكنولوجيا الخضراء فحسب، بل تسهم أيضًا في تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المدن بشكل ملحوظ، حيث يضطلع الابتكار في التكنولوجيا الخضراء بدور الآلية الوسيطة الحاسمة. وبعبارة أخرى، تدفع السياسات كفاءة الطاقة إلى التحسن بشكل غير مباشر عبر تحفيز الابتكار الأخضر، وليس عبر أوامر إدارية بسيطة أو معالجة في نهاية الأنبوب.

ولهذه النتيجة دلالات مهمة بالنسبة إلى سياسات المناخ العالمية. فعند تحسين كفاءة الطاقة، تميل العديد من البلدان إلى استخدام أدوات مباشرة مثل المعايير التقنية أو تسعير الكربون. غير أن الممارسة الصينية تُظهر أن التحفيز المنهجي للتحول في التكنولوجيا الخضراء عبر تنمية مجمعات الابتكار قد يمثل مسارًا أكثر استدامة. وبمجرد تحقيق اختراق في التكنولوجيا الخضراء، تكتسب آثار توفير الطاقة طابعًا ذاتي التعزيز، وقد تترتب عليها تأثيرات امتدادية عابرة للقطاعات، من قبيل التكامل بين الرقمنة وإزالة الكربون.

مضامين السياسات والدروس المستفادة عالميًابالنسبة لصنّاع السياسات، تقدّم هذه الدراسة عدة توصيات محددة: أولاً، ينبغي النظر إلى سياسات التجمعات الصناعية الابتكارية باعتبارها إحدى أدوات السياسات المتكاملة لتحقيق أهداف الكربون المزدوج، وليس مجرد إجراءات معزولة لدعم الصناعة؛ ثانياً، ينبغي تصميمها بشكل متمايز وفقاً لمرحلة التنمية الحضرية والبيئة المؤسسية، وتجنّب نهج “مقاس واحد يناسب الجميع”؛ ثالثاً، من شأن تعزيز حماية الملكية الفكرية والرقابة البيئية أن يضخّم الآثار الخضراء لسياسات التجمعات؛ رابعاً، ينبغي أن يتحول محور السياسات من مجرد بناء البنية التحتية إلى بناء “نظام بيئي للابتكار”، مع التركيز على تفعيل التأثيرات المترابطة لريادة الأعمال والمواهب ورأس المال.

وعلى المستوى العالمي، يحاول عدد متزايد من الاقتصادات الجمع بين السياسات الصناعية وأهداف المناخ. ويعكس كل من “المشاريع المهمة ذات المصلحة الأوروبية المشتركة” (IPCEI) في الاتحاد الأوروبي و“قانون الرقائق” (CHIPS Act) في الولايات المتحدة هذا المنطق نفسه، لكن ما يميّز التجمعات الصناعية الابتكارية في الصين هو نطاقها الواسع، إذ تشمل 281 مدينة وتمتد لأكثر من عقد من الزمن. ويوفّر مسار تطور السياسات هذا القائم على “تجربة-نشر-تعميق” نموذجاً للحوكمة يمكن للاقتصادات النامية الأخرى أن تستفيد منه.

بطبيعة الحال، تركت الدراسة أيضاً ألغازاً دون حل. فعلى سبيل المثال، ما هي التكلفة والعائد لسياسات التجمعات على الابتكار الأخضر؟ وهل قد تؤدي إلى تفاقم عدم التوازن الإقليمي؟ وعلى المدى الطويل، هل يمكنها حقاً دعم تحقيق أهداف الكربون المزدوج؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى متابعة مستمرة من الأبحاث اللاحقة. لكن على الأقل، تذكّرنا هذه الدراسة المستندة إلى الخبرة الصينية بأن التحول الأخضر ليس مجرد استبدال تكنولوجي، بل هو تحول تنظيمي يشمل المؤسسات ورأس المال والمواهب. والمدن القادرة على بناء تجمعات ابتكارية في وقت مبكر قد تكون هي الرائدة في اقتصاد منخفض الكربون في المستقبل.

مسار الأدلة · global-city-wire

تضع global-city-wire هذه الملاحظة ضمن شبكة توزيع اخبار المدن باسلوب وكالات الانباء، تغطي السياسات والمشاريع والبنية التحتية والفعاليات.. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص).

Source links

  1. https://www.frontiersin.org/journals/energy-research/articles/10.3389/fenrg.2025.1610157/fullPrimary

مقالات ذات صلة

العودة للقناة