تحديثات السياسات
المأزق الهيكلي للاقتصاد الياباني: تفسير متعمق لمسح OECD 2026
يذكر أحدث مسح اقتصادي لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أن اليابان تواجه ثلاثة تحديات: شيخوخة السكان، وركود الإنتاجية، والضعف المالي، وأن نافذة الإصلاح تضيق.
عندما تتعافى الاقتصادات العالمية تدريجيًا من صدمات الجائحة والتضخم، لا تزال اليابان تبدو وكأنها تراوح مكانها. أحدث تقرير لـ"المسح الاقتصادي لليابان" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في عام 2026 ليس مجرد تقرير روتيني، بل هو تشخيص صارم آخر للأمراض الهيكلية طويلة الأمد التي تعاني منها اليابان. في ظل استمرار سياسات التيسير النقدي لأكثر من عقد من الزمن واقتراب التحفيز المالي من الحدود القصوى، يظل الاقتصاد الياباني مستقرًا على السطح، لكن التناقضات العميقة تتراكم باستمرار - تدهور الهيكل السكاني، ضعف نمو إنتاجية العوامل الكلية، أعلى عبء دين حكومي في العالم، وتخلف التحول الرقمي عن الاقتصادات المتقدمة الأخرى. الرسالة الأساسية التي ينقلها هذا المسح هي: لا يمكن لليابان أن تستمر في الاعتماد على "مسكنات الألم" النقدية والمالية، بل يجب أن تخضع لجراحة هيكلية عميقة ومؤلمة.
أزمة القوى العاملة: من "انخفاض معدل المواليد" إلى "نقص العمالة" كفخ اقتصادي
لم يعد الشيخوخة في اليابان تهديدًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا يحدث الآن. تشير منظمة OECD إلى أن عدد السكان في سن العمل في اليابان يستمر في الانخفاض منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وسوف تتسارع هذه الاتجاهات بعد عام 2026. تواجه الشركات عمومًا نقصًا في اليد العاملة، خاصة في قطاعات مثل الرعاية والبناء والتجزئة. ومع ذلك، لا يزال سوق العمل الياباني يعاني من هيكل ثنائي حاد: يتمتع الموظفون النظاميون بالتوظيف مدى الحياة والمزايا العالية، بينما تقترب نسبة العمال غير النظاميين (العاملون بدوام جزئي وعقود مؤقتة) من 40%، وهم من ذوي الدخل المنخفض والحماية الضعيفة والتدريب المهني غير الكافي. لا يؤدي هذا الانقسام إلى تفاقم عدم المساواة في الدخل فحسب، بل يقلل أيضًا من كفاءة تخصيص القوى العاملة بشكل عام.
توصي منظمة OECD اليابان بمزيد من التحرير لدخول العمال الأجانب المهرة، ولكن الأهم هو كسر الجمود في سوق العمل - بما في ذلك إصلاح عادات التوظيف مدى الحياة، وتعزيز نظام الرواتب القائم على المهارات، وتوسيع مشاركة النساء وكبار السن في القوى العاملة. في الواقع، على الرغم من ارتفاع معدل مشاركة المرأة اليابانية في سوق العمل في السنوات الأخيرة، إلا أن معظمها يتركز في الوظائف غير النظامية، ونسبة النساء في المناصب الإدارية هي الأدنى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. يشدد التقرير بشكل خاص على أن اليابان تحتاج إلى إنشاء نظام تدريب مهني أكثر شمولية مثل ألمانيا، بدلاً من الاعتماد على آليات تطوير المواهب الداخلية القائمة على "الأقدمية".
آفة الإنتاجية: لماذا يعاني الابتكار في الشركات اليابانية؟
تقع إنتاجية العمل في الشركات اليابانية في المستوى المتوسط إلى الأدنى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خاصة أن إنتاجية قطاع الخدمات لا تتجاوز نصف إنتاجية قطاع التصنيع. يشير مسح المنظمة إلى أن السبب يكمن في عدم كفاية المنافسة المحلية، وتأخر الرقمنة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، وضعف بيئة ريادة الأعمال. تحتوي اليابان على عدد كبير من "الشركات الزومبي" - الشركات الخاسرة التي تبقى على قيد الحياة بفضل القروض منخفضة الفائدة لفترات طويلة، ولا تستطيع تحقيق أرباح كافية، فهي تحتكر الموارد ولكنها تمنع نمو الشركات الجديدة. في الوقت نفسه، تجعل القوانين الصارمة للعمل وتكاليف الضمان الاجتماعي المرتفعة الشركات تتردد في الاستثمار في التقنيات الجديدة.يدعو التقرير اليابان إلى تعزيز سياسات المنافسة، خاصة من خلال تنظيم أكثر صرامة للقوة السوقية في قطاعي المنصات الرقمية والاتصالات. بالإضافة إلى ذلك، فإن معدل تبني الشركات اليابانية للتقنيات المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية أقل بكثير من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وألمانيا. وعلى الرغم من إطلاق الحكومة لبرامج مثل "المدن الريفية الرقمية"، إلا أن التنفيذ الفعلي متجزئ، ويفتقر إلى نظام هوية رقمية موحد وإطار لمشاركة البيانات. توصي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) اليابان بإنشاء هيئة قيادة للتحول الرقمي على المستوى المركزي، وزيادة كبيرة في دعم رأس المال الاستثماري للشركات الناشئة — حيث تبلغ حصة رأس المال الاستثماري في اليابان من الناتج المحلي الإجمالي عُشر مثيلتها في الولايات المتحدة فقط.
الهاوية المالية: استنزاف مساحة السياسات تحت أعلى دين عالمي
تجاوز الدين الحكومي الياباني 260% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى بين الدول المتقدمة. وعلى الرغم من أن معظمه مملوك محليًا وبأسعار فائدة منخفضة للغاية، إلا أن أي محاولة لتطبيع أسعار الفائدة قد تؤدي إلى أزمة مالية. يحذر مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن خطة الضبط المالي الحالية في اليابان متساهلة للغاية، ولا تكفي لتحقيق استقرار نسبة الدين قبل الزيادة الحادة في الإنفاق على الضمان الاجتماعي بسبب الشيخوخة. التحدي الحقيقي هو: تحتاج اليابان إلى زيادة ضريبة الاستهلاك أو خفض الإنفاق في وقت لم ينتعش فيه الاقتصاد بعد بقوة، وقد أدت الزيادتان السابقتان في ضريبة الاستهلاك إلى ركود اقتصادي.
يقدم التقرير "مسارًا وسطيًا": زيادة ضريبة الاستهلاك تدريجيًا إلى حوالي 20% (حاليًا 10%)، مع توسيع قاعدة ضريبة الدخل الشخصي (تقليل الإعفاءات الضريبية)، والتحكم في نمو الإنفاق الصحي والرعاية طويلة الأجل. بالإضافة إلى ذلك، يجب على اليابان مواصلة التطبيع التدريجي للسياسة النقدية من قبل البنك المركزي الياباني، لتجنب الاضطرار إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد في المستقبل. لكن هذه العملية تحتاج إلى تنسيق وثيق مع السياسة المالية — ينبغي تقليص حجم مشتريات البنك المركزي من السندات الحكومية تدريجيًا لتقليل تشوهات السوق.
الفرصة المزدوجة للتحول الأخضر والرقمنة
ليست كل الإشارات متشائمة. يشير مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن اليابان تمتلك مزايا بحثية في تقنيات الطاقة النظيفة (مثل الهيدروجين والاندماج النووي) وبطاريات السيارات الكهربائية، لكن وتيرة التسويق بطيئة. يتطلب هدف اليابان للوصول إلى صافي الصفر الكربوني بحلول عام 2050 إزالة الكربون بشكل كبير من قطاع الكهرباء بحلول عام 2030، في حين أن الاعتماد على الوقود الأحفوري لا يزال شديدًا. يوصي التقرير اليابان بإنشاء آلية تسعير كربون أكثر وضوحًا (حاليًا مستوى ضريبة الكربون منخفض جدًا)، وتسريع إصلاح شبكة الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة.
في مجال الرقمنة، على الرغم من التقدم الذي أحرزته نظام الهوية الشخصية "My Number" الذي تدفع به الحكومة اليابانية، إلا أن قبول الشركات والمواطنين لا يزال محدودًا. التحول الرقمي في قطاعات مثل البنوك والرعاية الصحية والتعليم متخلف كثيرًا عن دول الشمال الأوروبي وسنغافورة. تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) على أن اليابان بحاجة إلى اعتبار الرقمنة رافعة رئيسية لزيادة إنتاجية قطاع الخدمات، وليس مجرد أداة لتسهيل الإجراءات الإدارية.
الخلاصة: نافذة الإصلاح تضيقالرسالة الأساسية لـ"مسح الاقتصاد الياباني لعام 2026" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يمكن تلخيصها في أن اليابان لم يعد بإمكانها الانتظار. فالتغيرات الديموغرافية تعني أن نقص العمالة والضغوط على الضمان الاجتماعي سوف تتفاقم فقط، في حين أن التغيرات في بيئة أسعار الفائدة العالمية ستضغط على مساحة المناورة السياسية لليابان. تعتمد الإمكانات الطويلة الأجل للاقتصاد الياباني على قدرتها على إجراء إصلاحات منسقة في أسواق العمل، والمالية العامة، والسياسة التنافسية، والنظام البيئي للابتكار قبل حلول الأزمة القادمة. لقد قدمت سياسة "الآبينوميكس" التاريخية أملًا مؤقتًا، لكنها فشلت في معالجة البنى العميقة. ربما تقف اليابان في عام 2026 على مفترق طرق يحدد مسار الثلاثين عامًا القادمة.
مسار الأدلة · global-city-wire
تضع global-city-wire هذه الملاحظة ضمن شبكة توزيع اخبار المدن باسلوب وكالات الانباء، تغطي السياسات والمشاريع والبنية التحتية والفعاليات.. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق (ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص).